السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
96
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
قبلتهم إلا حسدا لعلمه أنهم على الحق وأن دينهم أعدل الأديان . قال تعالى « وَكَذلِكَ » كما جعلنا شريعتكم وسطا بين شريعة موسى وعيسى ، لأن الأولى في غاية من الشدة والثانية في نهاية اليسر ، فكانت بين الصعوبة والسهولة جعلنا قبلتكم وسطا بين المشرق والمغرب أي بين قبلتي اليهود والنصارى ، لهذا « جَعَلْناكُمْ » يا أمة محمد « أُمَّةً وَسَطاً » لأنكم خير الأمم . وجاء في الخبر : خير الأمور أوساطها . قال زهير : هم وسط يرضى الأنام بحكمهم * إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وإنما جعلناكم أمة وسطا يا أمة محمد « لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ » يوم القيامة في المشهد العظيم بأن الرسل بلغوا أممهم ما أرسلهم اللّه به « وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً » بأنكم آمنتم به وصدقتموه . ونظير هذه الآية الآية الأخيرة من سورة الحج الآتية . قال بعض المفسرين شهيدا بمعنى رضيّا ، إذ لو كان القصد الشهادة لقال لكم ، لأن الشهادة لهم لا عليهم والشهادة للنفع تتعدى بإلى وبالضر بعلى ، وهو وجيه من حيث اللغة ، ولكن الأول أولى لمناسبة المقام ، فإن الرسل تشهد على أممها بالخير والشر لا بالخير فقط ليحسن القول بذلك فضلا عن أن حروف الجر تخلف بعضها ، تدبر . روى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يجاء بنوح وأمته يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم أي وربي ، فيسأل أمته هل بلّغكم ؟ فيقولون ما جاءنا من نذير ، فيقال لنوح من يشهد لك ؟ فيقول محمد وأمته ، فيجاء بكم فتشهدون ، ثم قرأ الآية ، زاد الترمذي وسطا عدولا . واعلم أن الشهادة قد تكون بلا مشاهدة كالشهادة بالتسامع في الوقف والموت وغيرهما مما هو مبين في كتب الفقه ، ولما كانت هذه الأمة سمعت من رسولها الصادق ما قصه عليها من أخبار الأمم وهو حقّ لا مرية فيه جاز لهم أن يشهدوا على الأمم بالتبليغ من قبل رسلهم ، وهذا أقوى من المشاهدة لأن البصر قد يخطئ ، وحضرة الرسول لا يخطئ وهو منزه عن الخطأ بالتبليغ ، ومن هذا شهادة خزيمة رضي اللّه عنه التي عدها الرسول بشهادتين ، لأنه كان جازما أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لا يقول إلا الحق ، فشهد على ما أخبره به وسمي ذا الشهادتين .